ابن عربي

342

مجموعه رسائل ابن عربي

القائل : « أن العبد صار هو الرب » كلام متناقض في نفسه ، بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحالات ، ويقول قولا مطلقا ، إن قول القائل : إن شيئا صار شيئا آخر محال على الإطلاق ، لأنا نقول : إذا عقل زيد وحده ، وعمرو وحده ، ثم قيل : إن زيدا صار عمرا ، واتحد به ، فلا يخلو عند الاتحاد إما أن يكون كلاهما موجودين ، أو كلاهما معدومين ، أو زيد موجودا وعمرو معدوما ، أو بالعكس ، ولا يمكن قسم وراء هذه الأربعة ، فإن كانا موجودين فلم يصر أحدهما عين الآخر ، بل عين كل واحد منهما موجود ، وإنما الغاية أن يتحد مكانهما ، وذلك لا يوجب الاتحاد . فإن : العلم ، والإرادة ، والقدرة ، قد تجتمع في ذات واحدة ولا يتباين محالها ، ولا تكون القدرة هي العلم ولا الإرادة ، ولا يكون قد أتحد البعض بالبعض . وإن كانا معدومين فما أتحدا ، بل عدما ، ولعل الحادث شيء ثالث ، وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلا اتحاد ، إذ لا يتحد موجود بمعدوم ، فالاتحاد بين الشيئين مطلقا محال ، وهذا جار في الذوات المتماثلة ، فضلا عن المختلفة ، فإنه يستحيل أن يصير هذا السواد ذاك السواد ، كما يستحيل أن يصير هذا السواد ذلك البياض أو ذلك العلم . والتباين بين العبد والرب : أعظم من التباين بين السواد والعلم . فأصل الاتحاد أذن باطل ، وحيث يطلق الاتحاد ، ويقال : هو هو ، لا يكون إلّا بطريق التوسع والتجوز اللائق بعادة الصوفية والشعراء ، فافهم - لأجل تحسين موقع الكلام من الافهام - يسلكون سبيل استعارة ، كما يقول الشاعر : أنا من أهوى ومن أهوى أنا « 1 » - وذلك مؤول عند الشاعر ، فإنه لا يعني به أنه هو تحقيقا ، بل كأنه هو : فإنه مستغرق الهم به ، كما يكون هو مستغرق الهم بنفسه ، فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجور . وعليه ، ينبغي أن يحمل قول أبي زيد حيث قال : « انسلخت من نفسي كما

--> ( 1 ) أنا من أهوى ومن أهوى أنا روحان حلا جسدا وهل يمكن أن يكون ذلك على سبيل الحقيقة . . . لا . . . ولكنه كناية عن الحب الخالص ، ولغة العرب مليئة بمثل هذا .